يبدو واضحاً ان اللحظة السياسية التي تتزامن معها الانتخابات الفرعية في بيروت والمتن الشمالي، فرضت اجواء معركة حقيقية وجعلتها ابعد بكثير من انتخابات لملء مقعدين شغرا باستشهاد نائبين من الاكثرية هما وليد عيدو وبيار الجميل، اذ تعدتها الى معارك اخرى ليس اقلها رئاسة الجمهورية. وهي في الحالتين معركة اثبات وجود وتكريس زعامات، وإن على مستوى المناطق الانتخابية وبنسب متفاوتة. فهي في بيروت تبدو اقل تعقيدا منها في المتن الشمالي، معقل الكتائبيين وخصوصا "كتائب امين الجميل"، وتاريخيا معقل القوميين السوريين، وحديثا معقل العونيين، ودائما مركز الثقل الانتخابي لآل المر وزعامة "ابو الياس" ميشال المر الذي وجد نفسه هذه المرة في خضم اكثر المعارك حرجا وحيرة، وحاله تشبه وإن بشكل مجازي حال "رودريك" في مسرحية "السيّد" لكورناي... والمتن ايضا معقل آل لحود ورئيس "حركة التجدد الديموقراطي" نائب المنطقة السابق نسيب لحود وكذلك مركز الثقل للناخبين الارمن الطاشناق والهنشاك والرمغفار. انها عملياً معركة تكريس الزعامات ولاسيما بين الرئيس الاعلى لحزب الكتائب امين الجميل، ورئيس "التيار الوطني الحر" النائب ميشال عون، بل هي معركة "الصوت المرجح" في انتخابات الرئاسة بعد شهرين وهي معركة لتظهير "التمثيل الحقيقي" من المتن الى كسروان الى جبيل الى... الحكومة، بل هي معركة "استرداد المتن" بالنسبة الى الجميل والكتائب، و"ازالة التهميش المسيحي الذي اصابنا منذ 15 عاما" بالنسبة الى عون. رحم الله بيار امين الجميل، عندما فاز في انتخابات عام 2000، كان والده الرئيس الجميل يقول لزواره: "خضناها معركة اثبات وجود لا اكثر ولا اقل، ولم نتعامل معها كمعركة حقيقية للفوز". ومرة جديدة يبدو "اثبات الوجود" هو العنوان، ولكن هذه المرة عند الجميع وفي اماكن اخرى وبصورة مختلفة تماما. وعليه، فان الموقف منها "يا ابيض يا اسود ولا مكان للرمادي" وفق ما سمع معنيون بارزون من الطرفين. وبعض المعنيين بهذه الانتخابات، كالقوميين، لا يهمهم المقعد بمقدار ما يرون في المعركة فرصة لتسديد حسابات مزمنة في المتن مع آل الجميل والكتائبيين، ولا يهم اذا جاء هذا الموقف لمصلحة رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون الذي لم يرتبط حتى اللحظة بعلاقة تحالف مباشرة وعلنية مع القوميين "ربما تحرجه في مكان ما" كما يقول احد القوميين، مشيرا الى زيارة قام بها نائب سابق قومي متني قبل ثلاثة ايام لعون في الرابية ولم تُعلن وبقيت خارج الاعلام. واما في بيروت، فالمعركة تبدو اسهل وأقل تعقيدا، ففي الدائرة الثانية 8 ترشيحات ذات طابع افرادي وشخصي - وهي محقة ومشروعة في كل انتخابات – باستثناء مرشح حزبي لـ"حركة الشعب" هو ابرهيم الحلبي. والثمانية متنافسون في ما بينهم، ولكن معظمهم عمليا، في مواجهة مرشح "تيار المستقبل" محمد الامين عيتاني. وكما في المتن الشمالي، كذلك في بيروت، ومع غياب "التزكية" هناك انتخابات تشكل الى حد ما اختباراً انتخابياً لـ"تيار المستقبل" ولزعامة رئيسه النائب سعد الحريري في بيروت بعد نحو عامين على الانتخابات الاخيرة في ايلول 2005، كانا حافلين بتطورات دراماتيكية على غير صعيد أمني وسياسي. وكان لافتاً احجام قوة انتخابية اساسية في الدائرة الثانية خصوصاً، يمثلها "حزب الله" عن خوض المعركة الانتخابية في بيروت "لا من تحت الطاولة ولا من فوقها"، وكذلك حركة "أمل"، وقد اصابا في هذا الموقف أكثر من هدف، ولاسيما بتأكيد موقفهما لجهة عدم الاعتراف بدستورية العملية وبالحكومة التي دعت الى الانتخابات الفرعية. ولكن الأمر بدا بشكل أو بآخر، رسالة ايجابية الى سعد الحريري، إلا اذا كان هناك مكان لافتراض سوء النية، وهو أمر طبيعي في الانتخابات، كأن يتم الايعاز بالتصويت للمرشح الأقرب للمعارضة، وثمة "سوابق" في هذا المجال شهدتها الانتخابات الماضية ومن أكثر من جهة سياسية، على حد تعبير متابعين للانتخابات الفرعية. وفي السياق نفسه، سجل موقف متقدم لـ"مرشح" معني مباشرة بالدائرة الثانية هو النائب السابق تمام سلام إذ دعا الى "التزكية" مسلّفاً سعد الحريري موقفاً ودياً يرجح أن تكون له انعكاسات على التحالفات في الانتخابات المقبلة بعد سنتين. وثمة في المشهد الانتخابي البيروتي، ما ينبغي التوقف عنده وهو احجام سياسيين عن خوض الانتخابات مباشرة، أو عبر آخرين، وأبرزهم الرئيسان سليم الحص ورشيد الصلح. مهما يكن من أمر، وعلى رغم كل شيء، تبقى الانتخابات، فرعية كانت أم عامة، شاهداً على حيوية ديموقراطية، أو ما تبقى منها، وإن شابتها علامات استفهام كثيرة، ولكنها على علاّتها، تبقى افضل من لا شيء!