نظَّم المشترع اللبنانيمسألة وقف التنفيذ في المادة 77 من نظام مجلس شورى الدولة اللبناني، وجعل لقبولهاشروطاً ومنح القاضي سلطة في تقدير توافر هذه الشروط، إلا أن هذه السلطة ليست سلطةكيفية أو تحكمية، بل يجب أن تبنى على أسباب جدية تبررها المصلحة العامة. وإذا دققنافي شروط وقف التنفيذ فسنجدها محددة بالشروط الآتية: ÷ الشرط الأول: أن لا يكونهذا المرسوم من ضمن القرارات المحظور وقف تنفيذها. فقد وضعت الفقرة الثالثة منالمادة 77 لنظام مجلس شورى الدولة حظراً على الاجتهاد لجهة وقف تنفيذ المراسيمالتنظيمية، فكان أول ما سيثيره مجلس شورى الدولة هو معرفة ما إذا كان مرسوم دعوةالهيئات الناخبة من القرارات التنظيمية أو غير التنظيمية، لكنه سيجد الجواب في مااستقرَّ عليه الفقه والاجتهاد لجهة حصر المرسوم التنظيمي بالمرسوم الذي يضع قواعدعامة مجردة مكفولة بإجبار (م.ش. قرار رقم 278 تاريخ 19 كانون الثاني ,2002 انطواننهرا وآخرون/ الدولة ـ وزارة الثقافة والتعليم العالي، م.ق.إ. 2005 م1 ص352). أما مرسوم دعوة الهيئات الناخبة فهو من فئة القرارات الإدارية التي تقع فيمرتبة وسط بين القرار الفردي والقرار التنظيمي، فلا هي بقرارات فردية لأنها لاتتعلَّق بأشخاص محددين، كما أنها ليست بقرارات تنظيمية لأنها ليست قاعدة عامة مجردةومكفولة بإجبار، فهذه الفئة من القرارات الإدارية تقبل وقف التنفيذ حتى ولو صدرتبموجب مراسيم عن مجلس الوزراء، فمثلها كمثل حالة القرارات التي ترسم حدود الدوائرالانتخابية (C.E. 30 novembre .1990 Association Les verts, A.J.D.A. 1991 p114) ،ومرسوم إعلان المنفعة العامة هو من القرارات غير التنظيمية (م.ش. قرار رقم 260/98ـ,99 تاريخ 13/1/,1999 باسيل ورفاقه/الدولة وبلدية درعون، م.ق.إ. العدد14لعام 2003 ص242). وكذلك الأمر بالنسبة لقرارات تعديل النطاق الإداري للبلديات (م.ش. قرار رقم233 تاريخ29/12/2003 ـ بلدية الغبيري/ الدولة ـ بلدية برج البراجنة ـ غيرمنشور). فتبعاً لهذا التحليل فإن مرسوم دعوة الهيئات الناخبة لا يدخل ضمن فئةالمراسيم التنظيمية، كما لا يدخل في فئة الأعمال الحكومية حيث استقر الاجتهاد علىاعتبارها منفصلة عن العملية (م.ش. قرار رقم 746 تاريخ 13/8/,1998 ميشال القاصوف/ الدولة وزارة الداخلية، م.ق.إ. عدد خاص لعام 1998 ص77 ـ م.ش. قرار رقم34/2004 ـ 2005 تاريخ14 تشرين الأول ,2004 عبدو الحاج ورفاقه/الدولة، مجلة العدل 3/2005ص.448). فيكون مرسوم دعوة الهيئات الناخبة من المراسيم التي تقبل وقف التنفيذ. ÷ الشرط الثاني: أن تكون المراجعة مبنية على أسباب جدية. تعني عبارة استنادالمراجعة إلى أسباب جديّة أن القاضي الإداري يرى وللوهلة الأولى ومن ظاهر الأوراق،أن هناك قرائن قوية تدفع للاعتقاد بجدية مراجعة الإبطال، من دون المساس بأصل الحقأو التعرض له. فيُسند قراره بوقف التنفيذ إلى التقدير الوقتي والعادل لجديّةالأسباب القانونية دون التعرض لأساس هذه الأسباب وتقديرها تفصيلاً (الدكتور فوزتفرحات تعليق على قرار مجلس شورى الدولة رقم220/2003تاريخ 30/3/2004 فاديا نعيم حلالورفاقها/ الدولة). وفي طلب وقف تنفيذ مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، ليس مطلوباًمن مجلس شورى الدولة أن يبحث في شرعية الحكومة أو في مسؤولية رئيس الدولة عنامتناعه عن توقيع المرسوم المطلوب، أو في دستورية العملية الانتخابية، وإنما كل ماهو مطلوب منه هو أن ينظر في ظاهر المرسوم فقط ليبني قناعته حول جدية طلب وقفالتنفيذ. وعندما سينظر مجلس شورى الدولة في ظاهر المرسوم سيرى بأنه لا يحملتوقيع رئيس الجمهورية، وهذا السبب الظاهري هو سبب جدي وكافٍ ليعلن وقف تنفيذ هذاالمرسوم لأن توقيع رئيس الجمهورية ليس أمراً شكلياً، وإنما هو ركن جوهري لوجودوكينونة المرسوم، وبدون هذا التوقيع فلا نكون أمام مرسوم مكتمل التكوين وإنما مجردمشروع مرسوم ليس له أية قيمة قانونية حتى ولو حمل توقيع كل الوزراء. ودليلنا علىذلك ما استقر عليه اجتهاد مجلس شورى الدولة اللبناني الذي يقول بأن المرسوم هوالعمل الذي يصدر عن رئيس الجمهورية، وإذا لم يقترن مشروع المرسوم بتوقيع رئيسالجمهورية يبقى بدون أي مفعول قانوني بالرغم من اقترانه بتوقيع رئيس الوزراءوالوزراء المختصين، لأن القانون لم يولِّ الوزراء سلطة التصرف ... بل أناط الأمربرئيس الدولة... (راجع مثلاً: م.ش. قرار رقم 72 تاريخ 3 تشرين الثاني ,1997 فايزالحلاني/ الدولة ـ وزارة الدفاع، م.ق.إ. 1999 م1 ص101 ـ م.ش. قرار رقم 535 تاريخ13أيار ,1999 العميد المتقاعد انطان سعاده/ الدولة، م.ق.إ. 2003 العدد14 ص557). وبعد أن أثبتنا أن توقيع رئيس الجمهورية هو الذي يعطي المرسوم وجوده القانوني،وأن هذا التوقيع يتعلق بالصلاحية وليس بالشكليات، ولما كانت عدم الصلاحية هي منالدفوع الجوهرية التي لا يتردد مجلس شورى الدولة بقبولها ويوقف تنفيذ القرارالإداري عندما يتبين له بظاهر الحال أن السلطة التي أصدرته هي سلطة غير مختصة (م.ش. قرار إعدادي رقم 127/2003ـ2004 تاريخ19/1/2004 الدكتور كمال عرب / الدولة ـ وزارةالمالية غير منشور). بل يعتبر الدفع بعدم صلاحية السلطة المصدرة للعمل من الدفوعالمتعلقة بالنظام العام التي يتوجب على القاضي إثارتها عفواً حتى ولو لم يثرهاالمستدعي، وهو موجب مفروض على عاتق القاضي الناظر في طلب وقف التنفيذ بأن يستخرجالأسباب الجدية المتعلقة بالنظام العام (C.E.16 MAI .2001 Epoux Duffaut،). ÷ الشرط الثالث: إلحاق القرار الإداري ضرراً بليغاً بالمستدعي. لا يكفي للأمربوقف التنفيذ أن تكون الأسباب التي يستند إليها الطعن جدياً بل يجب كذلك أن يكونالضرر الناشئ عن تنفيذ القرار المطعون فيه على درجة من الجسامة، أي يكون من الصعبإصلاحه، بحيث لا يؤدي إبطال القرار الإداري إلى إصلاح الأضرار التي سببها تنفيذه. فالتساؤل هو حول نوع الضرر الذي يتسبب به تنفيذ مرسوم دعوة الهيئات الناخبةللانتخابات الفرعية في المتن وبيروت. يمكن أن نتلمس هذا الضرر من خلال حكمٍللمجلس الدستوري اللبناني حول الانتخابات الفرعية في المتن، فبعد أن حقق فيما رافقالعملية الانتخابية في دائرة جبل لبنان ـ قضاء المتن وعملية إعلان النتائج منتحركات وشعارات وتهديدات واستنفارات تتسم بالعنف والفئوية، بما قد يهدد الأمنالأهلي لا بل التماسك الوطني، وأن ذيول هذا الانتخاب ما زالت على حالها من التفاعلوالتصعيد في حال اجري انتخاب فرعي جديد في الدائرة ذاتها على المقعد ذاته على ماتدل الدلائل كافة بوجود هذا التشنج السياسي الذي ينجم عنه ويحمل في طياته مخاطرأمنية وانقسامات فئوية يسهل معها زرع الفتن. (المجلس الدستوري قرار رقم 5/2002تاريخ 4/11/2002 الصادر بالطعن في صحة نيابة المستدعى ضده غبريال المر فيالانتخابات الفرعية عن دائرة جبل لبنان الثانيةـ قضاء المتن). إن هذه الأضرارالمحتملة الحدوث في حال إجراء انتخابات فرعية والتي أخذها المجلس الدستوري بالحسبانعندما قرر عدم إجراء انتخابات فرعية جديدة في المتن، نرى أنها متوفرة في ظروفالانتخاب الحالية، وأن مجلس شورى الدولة لن يكون أقلَّ من المجلس الدستوري حرصاًعلى المصلحة العامة والاستقرار الاجتماعي، بل هو ملزم بالتقيد بما وصل إليه المجلسالدستوري، إستناداً لمبدأ استقرَّ حديثاً في الاجتهاد الإداري مفاده أن من واجب كلالسلطات بما فيها القضاء الإداري الإلتزام بإعمال مفاعيل أحكام المجلس الدستوري. (م.ش. قرار رقم 71/2001 ـ 2002 تاريخ 7/10/2001 غصن/ الدولةـ مجلة الدراساتالقانونية2002 ص525 ـ م.ش. قرار رقم 47/2002 ـ 2003 تاريخ24 تشرين الأول ,2002المفتش الممتاز في الأمن العام جوزف معوض/ الدولة ـ وزارة الداخلية والبلديات (المديرية العامة للأمن العام). وإذا كان مجلس شورى الدولة سيعمد إلى وقف تنفيذمرسوم دعوة الهيئات الناخبة المذكور، فإنه سيكون ملزماً بوقف جزئي لهذا المرسومفيما خصَّ الانتخابات الفرعية في المتن فقط، ذلك أن صفة المستدعي لا تخوِّله الطعنبالانتخابات الفرعية لدائرة بيروت الثانية، وبانتظار حصول مثل هذا الطعن فإن علىمجلس شورى الدولة واجب وقف التنفيذ الجزئي فقط للمرسوم المطعون فيه